أحمد مطلوب
99
معجم المصطلحات البلاغية وتطورها
وغداة ريح قد كشفت وقرة * إذ أصبحت بيد الشمال زمامها « 1 » وذلك أنّه جعل للشمال يدا ، ومعلوم أنّه ليس هناك مشار اليه يمكن أن تجري اليد عليه كاجراء الأسد والسيف على الرجل في مثل : « انبرى لي أسد يزأر » و « سللت سيفا على العدو لا يفلّ » : والظباء على النساء في « من الظباء الغيد » والنور على الهدى والبيان في « أبديت نورا ساطعا » . والفرق بين القسمين أنّ التشبيه في الأول يأتي عفوا ، ولا يأتي في الثاني إلا بعد التأمل والتفكير « 2 » . وقد أوضح المتأخرون ما يجري من الاستعارة في الاسم فقالوا إنّ الأسماء ثلاثة : الأول : الاسم العلم ولا مدخل للمجاز فيه ؛ لأنه في جميع مواقعه أصل ، ومن حق المجاز أن يكون مسبوقا بوضع أصلي ثم ينقل عنه ، ومن حق المجاز أن يكون بينه وبين ما نقل عنه علاقة يحسن لأجلها التجوز والنقل . وهذا غير موجود في الأعلام ، ولكنهم جوزوا ذلك في الأعلام التي اشتهرت بنوع من الوصف مثل حاتم في « رأينا اليوم حاتما » أي : رجلا كاملا الجود . الثاني : الاسم المصدر وهو المشتق منه ، وقد يدخله المجاز إذا وقع في غير موضعه مثل : « رجل عدل » وغير ذلك من المشتقات والصفات . الثالث : اسم الجنس ، وأكثر ما يرد المجاز في المفرد منه مثل « أسد » و « بحر » و « ليث » وغير ذلك من الأسماء المفردة . وقد تدخل الاستعارة في أسماء الإشارة كقوله تعالى : هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ « 3 » ، فقوله : هذا استعارة لأنّه إنّما يستعمل حقيقة فيما كان قريبا مشارا اليه ، فالمجاز في الإشارة داخل هنا فيما يعرض من أحواله في القرب والبعد « 4 » . الاستعارة في الأفعال : تحدث عبد القاهر عنها وقال إنّ الفعل إذا استعير لما ليس له في الأصل فانّه يثبت باستعارته له وصفا هو شبيه بالمعنى الذي اشتق الفعل منه . ففي « نطقت الحال بكذا » و « أخبرتني أسارير وجهه بما في ضميره » و « كلمتني عيناه بما يحوي قلبه » نجد في الحال وصفا هو شبيه بالنطق من الانسان وذلك أنّ الحال تدلّ على الأمر ويكون فيها أمارات يعرف بها الشيء كما أنّ النطق كذلك ، وكذلك العين فيها وصف شبيه بالكلام وهو دلالتها بالعلامات التي تظهر فيها وفي نظرها وخواص أوصاف يحدس بها على ما في القلوب من الانكار والقبول . قال عبد القاهر موضحا ذلك : « وإذا كان أمر الفعل في الاستعارة على هذه الجملة رجع بنا التحقيق إلى أنّ وصف الفعل بأنه مستعار حكم يرجع إلى مصدره الذي اشتق منه . فإذا قلنا في قولهم : « نطقت الحال » إنّ « نطق » مستعار فالحكم بمعنى أنّ النطق مستعار ، وإذا كانت الاستعارة تنصرف إلى المصدر كان الكلام فيه على ما مضى » « 5 » . والفعل يكون استعارة مرة من جهة فاعله الذي رفع به نحو « نطقت الحال بكذا » و « أخبرتني أسارير وجهه بما في ضميره » و « كلمتني عيناه بما يحوي قلبه » . ويكون أخرى استعارة من جهة مفعوله كقول ابن المعتز : جمع الحقّ لنا في إمام * قتل البخل وأحيا السّماحا ف « قتل » و « أحيا » إنّما صارا مستعارين بأن عدّيا إلى البخل والسّماح ، ولو قال : « قتل الأعداء وأحيا » لم يكن « قتل » استعارة بوجه ولم يكن « أحيا » استعارة
--> ( 1 ) القر ؛ البرد ، قرة ؛ باردة . ( 2 ) أسرار البلاغة ص 42 ، 222 . ( 3 ) ص 55 . ( 4 ) نهاية الايجاز ص 87 ، البرهان الكاشف ص 112 ، الطراز ج 1 ص 88 . ( 5 ) أسرار البلاغة ص 50 .